في ذكرى محمود درويش العاشرة
- معز عوض أبو القاسم

- 14 مارس 2022
- 4 دقيقة قراءة
في ذكراه العاشرة ، محمود درويش في إجازةٍ من الموت:

عشرة أعوام كاملة وما يزالُ حاضراً رغم أنف الغياب ... محمود درويش ... لم يدع لنا فرصةً للكتابةِ له ولا لرثائه ، فقد حدد كل الأمور بنفسه وبقلمه : ((ميم / المتيٌّم والميتٌم والمتمٌم ما مضي حاء / الحديقة والحبيبة ، حيرتانِ وحسرتان ميم / المغامِر والمعدٌ المسْتعدٌ لموته الموعود منفيٌا ، مريض المشْتهي واو / الوداع ، الوردة الوسطي ، ولاء للولادة أينما وجدتْ ، ووعْد الوالدين دال / الدليل ، الدرب ، دمعة دارةٍ درستْ ، ودوريٌ يدلٌلني ويدْميني / وهذا الاسم لي “ ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي جسدي المؤقٌت ، حاضرا أم غائبا “ مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن “ لي مِتْر و75 سنتمترا “ والباقي لِزهْري فوْضويٌ اللونِ)) لم تكن أمه (حوريه) تعلمُ حين ولادته أنها تفجِّر قنبلةً في وجه الإسرائيلين بهذا الصغير الذي وُلد بقلبٍ ضعيف وبروحٍ قوية وبفكرةٍ عالية .. فبدأ التغريد نيابةً عن الإنسانية ونيابةً عن شعبه المحتل : ((غنٌيْت كي أزِن المدي المهدورِ في وجع الحمامةِ ، لا لأشْرح ما يقول الله للإنسان ، لسْت أنا النبيٌ لأدٌعي وحْيا وأعْلِن أنٌ هاويتي صعود)) وبدأ بالنضال منذُ أن أُلقي على قلبه النشيد ، بدأ في رسالتة الإنسانية وأتعب الحروف واللغة أيما تعب ، أدخلها خيام اللاجئين وأوقفها في صفوف الجنود وودّع بها أصدقائه ورثى بها موات العروبة والعرب ، ولكنه لم ينسَ في غمرة نضاله أن يقول : ((حبٌة القمح الصغيرة سوف تكفينا ، أنا وأخي العدوٌ ، فساعتي لم تأْتِ بعْد . ولم يحِنْ وقت الحصاد)) رحل وفي خاطره أطفالٌ جياع في المخيمات وفي مدن الآخرين .. لم يكن يحلم بثروةٍ كانت ستأتيه صاغرةً لو طلبها ، بل كانت اللغة والوطن هما شغله الشاغل : ((لكني سأحلم ، ربٌما اتسعتْ بلادٌ لي ، كما أنا واحداً من أهلِ هذا البحر)) حاصره الأعداء والأصدقاء وتبنته السجون لتفرض حصارها على قصائده التي وُلِد معظمها في السجن وأكثرها في منافي الآخرين .. وما أقسى أن تُنزِل قصائدك في أرضٍ ليست لك وكل ما يبقيك فيها هو منعك من الدخول إلى وطنك لأن هنالك أعداءً يشربون الشاي ويعدون الجنائز لدولتك الصغيرة ((قلت للسٌجٌان عند الشاطئ الغربيٌ : ¬ - هل أنت ابن سجٌاني القديمِ ؟ ¬- نعم ! ¬- فأين أبوك ؟ قال : أبي توفٌى من سنين أصيب بالإحباط من سأم الحراسة . ثم أوْرثني مهمٌته ومهنته ، وأوصاني بان أحمي المدينة من نشيدك)) لأن نشيده لم يكن للغواني وعاهرات العرب ولم يكن تلهيه عن قضيته عيون الحسناوات ، كانت – وما تزال – فلسطين هي محبوبته الوحيدة وهي أمه التي لطالما كان – وما يزال – يحن إلى خبزها وقهوتها وحضنها المحاصر ، أمه التي فارقها بأمرِ الإحتلال وبأمر من لا أمر له إلا على العُزَّل ((أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بعدٍ. تمشّطني بخصلة شعرها الذهبيّ. تبحث في ثيابي الداخليّة عن نساءٍ أجنبيّاتٍ، وترفو جوريي المقطوع. لم أكبر على يدها كما شئنا: أنا وهي، افترقنا عند منحدر الرّخام... ولوّحت سحبٌ لنا، ولماعزٍ يرث المكان. وأنشأ المنفى لنا لغتين: دارجةً... ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى، وفصحى... كي أفسّر للظلال ظلالها)) فارقها لأنها صدح ذات نضالٍ ما لعدوه المُطاع لدى العرب والمُهاب لدى أمراء العرب : ((أيها المارون بين الكلمات العابرة كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا وأعيدوا عقرب الوقتِ إلى شرعية العجلِ المقدس أو إلى توقيت موسيقى المسدس فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا ولنا ما ليس فيكم : وطنٌ ينزف و شعبا ينزف وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة أيها المارون بين الكلمات العابرة آن أن تنصرفوا وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا آن أن تنصرفوا ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا فلنا في أرضنا ما نعملُ ولنا الماضي هنا ولنا صوت الحياة الأولُ)) أو يستجدي أعداءه بمنتهى الإنسانية وبكلِ ما أوتي من وداعةٍ وحب : ((أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا، واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ فقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا. أَيها الواقفون على عتبات البيوت! اُخرجوا من صباحاتنا، نطمئنَّ إلى أَننا بَشَرٌ مثلكُمْ!)) لأنه يدرك أن صمت العروبة لا نهاية له ولعل عدوه يتعلم من ثقافتنا العربية ما تعينه على مواساتنا : ((سيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ *** سيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر، أَن الضَجَرْ صِفَةٌ من صفات البشرْ)) وتراه يخاطب القاتل أن يضع البندقيةَ جانباً وينظر لقتلاه بعيداً عن زوايا الأعداء لا لخوفٍ منه ولكنها محاولةٌ لأنسنة العدو : ((إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّة)) محمود درويش مضى كاملاً كقضية ويتيماً كفراشة وحزيناً كقصيدة وسعيداً كلحظة إنتصار ((لم أولدْ لأعرف أنني سأموت ، بل لأحبٌ محتوياتِ ظل اللهِ)) فلم يكن يعنيه موته أبدأً ولم تكن الحياة من إهتماماته لأنه كان يعلم ((لم يمتْ أحد تماما ، تلك أرواح تغيّر شكْلها ومقامها)) وحده من تحدث مع الموت : ((فيا موْت ! انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهشٌ ، حيث ولدت ، حيث سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين وعن صمود التينِ والزيتونِ في وجه الزمان وجيشِهِ )) ووحده من تحداه : ((ألديْك وقْت لاختبار قصيدتي . لا . ليس هذا الشأن شأنك . أنت مسؤول عن الطينيٌ في البشريّ ، لا عن فِعْلِهِ أو قوْلِهِ هزمتْك يا موت الفنون جميعها . هزمتك يا موت الأغاني في بلادالرافدين . مِسلٌة المصريٌ ، مقبرة الفراعنةِ ، النقوش علي حجارة معبدي هزمتْك وانتصرتْ ، وأِفْلت من كمائنك الخلود فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريد)) حتى وهو في نعشه كان قوياً بما يكفي لكي يحيا كما يريد لا كما يريدُ له أعداءه : ((وكأنني قد متٌ قبل الآن “ أعرف هذه الرؤيا ، وأعرف أنني أمضي إلي ما لسْت أعرف . ربٌما ما زلت حيٌا في مكان ٍ ما، وأعرف ما أريد سأصير يوما ما أريد)) لأنه لم يكن مجرد جسدُ شاعرٍ هلَك ، بل كان ابقى من أن يفنى : (( أنا حبٌة القمح التي ماتت لكي تخْضرٌ ثانية . وفي موتي حياة ما )) عزيزي درويش : ليس يؤلمنا رحيلك ، لأنك لم تزل حياً .. ولكن تؤلمنا جراح شعبك وتؤلمنا خيامٌ لم يعد لها من يغني لساكنيها ولمشرديها : ((خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ. وعَشْرَةُ جرحى. وعشرون بيتاً. وخمسون زيتونةً... بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ)) ويؤلمنا هوان العرب وصمتهم على جراح غزة التي مازالت تبحث عنك لتضمدها لها بشعرك وبفعلك وبدمعك الذي نضب من كثر ما سكبته على قبر العرب : ((الشهيدةُ بنتُ الشهيدةِ بنتُ الشهيد وأختُ الشهيدِ وأختُ الشهيدةِ كنَّةُ أمِّ الشهيدِ حفيدةُ جدٍّ شهيد وجارةُ عمِّ الشهيد الخ ... الخ .. ولا نبأ يزعج العالَمَ المتمدِّن، فالزَمَنُ البربريُّ انتهى. والضحيَّةُ مجهولَةُ الاسم، عاديّةٌ، والضحيَّةُ ـ مثل الحقيقة ـ نسبيَّةٌ الخ ... الخ)) .



تعليقات